الأمازيغ حضارة شعب ممتدة جذورها في عمق التاريخ
الدكتور محمد حماس

⦁ لقد اتخذت هذه البلاد أسماء عدة. هكذا عرفت أفريقيا الشمالية ببلاد البربر. وأطلق عليها الإغريق اسم ليبيا. وأطلق عليها الرومان اسم أفريقيا (تونس الحالية)، وهو الإسم الذي اتخذته سائر القارة. وأطلق عليها العرب اسم بلاد المغرب، مقابل بلادهم بالمشرق … أما تسمية “أمازيغ”، التي تعني الأحرار والنبلاء، فيرى العديد من الباحثين أنها قديمة، ربما عادت للعهود الفرعونية.
مفاهيم عامة
يعتبر تحديد المصطلحات (الاصطلاح هو اتفاق طائفة مخصوصة على لفظ مخصوص لمعنى مخصوص)، والمفاهيم (المفهوم هو المعنى المجرد في الذهن)، أمرا بالغ الأهمية بالنسبة للباحث في أي مجال، لأن اللبس الذي يمكن أن يعتري المصطلحات على المستوى المفاهيمي سوف ينعكس سلبا، لا محالة، على معنى النص، وبالتالي على مستوى النتائج المتوخاة من ورائه، ويجعل التواصل بين صاحب الرسالة والمتلقي صعب المنال.
ثم إن سبل المعرفة كثيرة ومتعددة، بشكل لا يمكن لأحد الادعاء بأنه يحتكرها، أو يمتلكها بمفرده. والحقيقة ليست مطلقة. لقد أضحت المعلومة في متناول الجميع، وقربت التكنولوجيا كل بعيد. وقد بات التواصل مباشرا، يختزل المسافات والزمن. فحقق الإنسان بذلك ثورة معلوماتية هي أشبه بمارد انفلت من قمقمه، لا يمكن التحكم فيه، وفي نواياه، ولا فيما سيصبح عليه من حال، إلا عبر الحكمة والتعقل. إننا أمام سيل جارف، إن لم نراع التعامل معه، ونحسن استغلاله، سوف تكون البشرية في ومواجهة مشاكل قد تعصف بحضارتها.
لكن أكبر مشكلة قد نصادفها، كباحثين، هي كيفية تصريف هذه المعلومة؟ كيفية التعامل مع المصادر والمراجع، أمام تعددها؟ ما هي المصادر الصحيحة للمعلومة؟ كيف يتم التعامل مع المناهج؟ كيفية توخي الموضوعية، والحياد؟
في هذا السياق تبقى الكتابة التاريخية أكثر عرضة للبس والغموض. لأن المؤرخ المعاصر يصعب عليه التخلص من التأثير الخارجي، إذ يمكن أن تتحكم في إنشائه عوامل يمكن أن نسميها ” عناصر تشويش”. وهذا، بطبيعة الحال ليس حكم قيمة، لأنه سيكون من الإجحاف تعميم هذه النظرة على ما تزخر به المكتبات من كنوز صنعتها البشرية، عبر السنين، فأضحت تراثا لا يمكن الاستغناء عنه، وبالتالي لا يمكن تصور شعب من دون تراث، ومن دون تاريخ.
لقد كان أساسيا، بالنسبة إلينا، التقديم لهذا العرض، من أجل تحديد السياق العام الذي سوف نحاول السير وفقه، لتحديد بعض من ملامح تاريخ الأمازيغ. هذا الشعب الذي سكن منطقة الشمال الأفريقي، وصنع حضارة لازال أثرها يتردد صدى بين ساكنة الغرب الإسلامي إلى الآن.
مفاهيم:
⦁ تاريخ
لغة: يقول الرازي: (“التاريخ” و”التوريخ”، تعريف الوقت. تقول: أرخ الكتاب بيوم كذا، و”ورخه” بمعنى واحد)، رغم أن هناك من يرى أن أصل الكلمة قد يكون غير عربي، فارسي أو سرياني أو إثيوبي. التاريخ هو سجل لأحداث ماضية، تهم تفاصيل حياة الشعوب وحضارتها، من خلال العديد من الآليات، مثل الكتابات، والمخطوطات، والرسوم، والوقائع كالمعارك والمنجزات.. وكل ما يتعرض له شعب ما من أفراح وأتراح، كالأوبئة، والكوارث الطبيعية، والمجاعة، والأمراض … كلها يتم تدوينها بفضل مؤرخين معاصرين، لتتناقلها الأجيال، للوقوف على تاريخ الأسلاف. ويقسم التاريخ، عادة، إلى قديم، ووسيط، وحديث.
⦁ حضارة
أما الكافيجي، فيعرف علم التاريخ أنه “علم يبحث فيه عن الزمان وأحواله، وعن أحوال ما يتعلق به من حيث تعيين ذلك وتوقيته”(1). ويسرد عبد الرحمان بن خلدون مزايا علم التاريخ، كونه يطلعنا على أحوال الغابر من الأمم وأخلاقهم، وسير الأنبياء، وسياسة الملوك في دولهم، حتى تحصل الفائدة من ذلك. ويخلص للقول إن فن التأريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية، إذ لا يجب، في الأخبار، اعتماد عملية النقل، دون مراعاة لأصول العادة، وقواعد السياسة، وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني …(2)
الحضارة هي كل ما ينتجه عقل الإنسان من فنون، وعلوم، وآداب، وفلسفة، وتشريع، وبالتالي القدرة على الاستفادة من هذه الحصيلة، وبلورتها وفق ما تقتضيه حياة الفرد والجماعة، لتحقيق ما هو أفضل، وتسجيل الحضور في الزمان والمكان بالنسبة للشعب الذي حقق تلك الحضارة.
وقد عرفت البشرية حضارات عدة، بلغت درجة كبيرة من العظمة، بما لها، وما عليها، ثم ما فتئت أن انهارت، مخلفة وراءها آثارا باقية لا زالت تنهل من منابعها المعرفية الأجيال الحاضرة.
ويمكن سرد بعض من هذه الحضارات وفق تطورها الزمني. فبالنسبة لتطور الحضارات القديمة، نقدم ما يلي
حضارات العالم القديم (الأفريقية – الأورو آسيوية)
⦁ حضارة سومر “الحضارة السومرية في العراق” (5300 – 2000 ق م)
⦁ حضارة وادي السند وشبه القارة الهندية (3500 ق م – وحتى الوقت الحاضر)
⦁ حضارة المصريين القدماء (3200 – 343 ق م)
⦁ حضارة عيلام في إيران اليوم (2700 – 539 ق م)
⦁ حضارة الكنعانيين في فلسطين (2350 ق م – 102 م)
⦁ الحضارة الصينية (2200 ق م – وحتى الوقت الحاضر)
⦁ الحضارة الإغريقية “اليونانية” (2000 – 146 ق م)
⦁ الحضارة الكورية (900 ق م – حتى الوقت الحاضر)
⦁ حضارة الأتروسكان والرومان القدماء (900 ق م – 500 م)
⦁ عيلام (2700 – 539 ق م)
⦁ مملكة ماني (القرن العاشر – القرن السابع ق م)
⦁ دولة ميديا (718 ق م – 550 ق م)
⦁ الإمبراطورية الإخمينية (550 – 330 ق م)
⦁ الدولة السلوقية (323 – 150 ق م)
⦁ الدولة البارثية (250 ق م- 226 م)
⦁ الدولة الساسانية (226 – 650) وهناك أيضا الحضارات الأوروبية، والحضارات الجديدة(الأمريكية).
تنهار حضارة، لتقوم مقامها حضارة أخرى. قد تحمل كل حضارة أسباب انهيارها. لكنها تبقى خالدة بفضل التاريخ، فهي ترتبط بالفكر، والفكر لا يمكن أن ينمحي. قد يستمر مع ثلة من الناس، تخلده الآثار المخطوطة أو الحجرية المنحوتة، أو التراث الشفوي… الفكر لا يموت.
⦁ بين البربر والأمازيغ
أطلقت الشعوب الوافدة على بلاد الأمازيغ، أسماء عدة على هذا الشعب، منها، اسم “لوبي” الذي شاع لدا اليونان، و”إفري” من مبتكرات الفينيقيين، و”بربر” أطلقها عليهم الرومان، هؤلاء سموا كل من خرج عن طاعتهم “بربر”، بنية التحقير والاستخفاف، ثم عبارات أخرى، من قبيل بارباريسي، وباربارجيا، وفي مصر مدينة تسمى”بارباريا”. وسميت الشعوب الجرمانية “باربار”، بمعنى، الهمج والمتوحشون. وقد سموا المحيط الهندي بالبحر البربري، وخليج عدن بالخليج البربري. وفي الصومال توجد “بربرة”.. فكلمة “باربار” استعملت لتبخيس الآخر، ونعته باللغط، والرطانة، والضوضاء، والهمجية، والقسوة.
أما تسمية “أمازيغ”، التي تعني الأحرار والنبلاء، فيرى العديد من الباحثين أنها قديمة، ربما عادت للعهود الفرعونية. (انظر كتاب “طبقات مشائخ المغرب” لصاحبه الشيخ أبي العباس أحمد بن سعيد الدرجيني)(3).
لقد اتخذت هذه البلاد أسماء عدة. هكذا عرفت أفريقيا الشمالية ببلاد البربر. وأطلق عليها الإغريق اسم ليبيا. وأطلق عليها الرومان اسم أفريقيا (تونس الحالية)، وهو الإسم الذي اتخذته سائر القارة. وأطلق عليها العرب اسم بلاد المغرب، مقابل بلادهم بالمشرق(4). لا نعرف عن تاريخ الأمازيغ إلا القليل. فتواجدهم بالشمال الأفريقي قد يتجاوز5 آلاف سنة، ولو أن اسمهم ليس قديما بكل هذا القدر. تمتد أراضيهم من الحدود الليبية المصرية إلى المحيط الأطلنطي. ومن البحر الأبيض المتوسط إلى النيجر، ومالي، وبوركينا. أما عن أصولهم، فهناك اختلاف كبير، بين الدارسين حول هذا الأمر. وهو اختلاف راجع لكون جل الباحثين، أو النسابة، ينطلقون من فرضية أن شعب الأمازيغ جاء من مكان ما. لهذا وجب التساؤل، لماذا الإصرار على كون الأمازيغ جاؤوا من مكان ما؟ من الجرمان أو اليمن؟ ألا يمكن التسليم بأن هذا الشعب تواجد بهذه البلاد واستقر بها وأخذت اسمه؟ لقد ذهب عدد من المؤرخين إلى الربط بين القوم الشقر من الأمازيغ، والأجناس الأروبية القديمة، مثل الأيبيريين (Iberians) والكلت (Celts) (5) أما عن استعمال كلمة بربر، والذي نصادفه في العديد من المصادر والكتابات، فهو استعمال أكاديمي، إذا ليس هناك فرق بينها وبين كلمة أمازيغ على هذا المستوى.
من أين جاء الأمازيغ؟ السكان الأصليون للشمال الأفريقي؟ هناك اختلاف كبير بين الأنثربولوجيين حول أصولهم. وهو اختلاف نجده قائما إلى الآن بين المؤرخين، عربا كانوا أو أمازيغ. ما الذي تبقى من حضارتهم؟ ما هو أثرهم في الحضارات الأخرى؟ لماذا ظلت أرضهم مبعث أطماع شعوب أخرى؟ من هم حكام ممالكهم؟ ما هو التراث الفكري الذي خلفوه لمن ولي بعدهم؟ د. محمد حماس
الهوامش
⦁ محيي الدين محمد بن سليمان الكافيجي (788-879هـ-1386-1974مـ): مخطوط «مختصر في علم التاريخ»
⦁ ابن خلدون عبد الرحمن: المقدمة. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت. 2001 (عدد الطبعة غير موجود). (ضبط خليل شحادة، ومراجعة سهيل زكار)
⦁ بوزياني الدراجي: القبائل الأمازيغية، أدوارها، ومواطنها، وأعيانها. ج1. الطبعة الرابعة. 2010. ص12 إلى 16
⦁ Mercier, Ernest (1840-1907). Histoire de l’Afrique septentrionale, Berbérie,
depuis les temps les plus reculés jusqu’à la conquête française. 1888. Tome 1. Imp Durand. Paris. P9
⦁ عبد اللطيف محمود البرغوثي: التاريخ الليبي القديم. ج1. منشورات تامنغاست