مطالب ساكنة سيدي إفني بالجنسية الإسبانية.. بين الارتباط التاريخي ومتلازمة ستوكهولم أو عندما يعشق الضحية جلاده!
دنا بريس – نادية الصبار
أرسل مجموعة من سكان إقليم سيدي إفني، جنوب المغرب، رسالة إلى ملك إسبانيا، فيليبي السادس، يطالبون فيها بالجنسية الإسبانية وإدراج اللغة الإسبانية في المناهج التعليمية المحلية.
تطلق المجموعة على نفسها اسم “افني 25 خوليو”، وقد دعت في رسالتها الملك فيليبي السادس إلى تلبية مطالبها بإعطائهم الجنسية الإسبانية وإدخال اللغة الإسبانية ضمن المناهج التعليمية في المنطقة.
ووفقاً لوسائل الإعلام الإسبانية، فإن الطلب يأتي في إطار تذكير ملك إسبانيا بتاريخ المنطقة، حيث كانت سيدي إفني تحت الحماية الإسبانية من عام 1934 حتى 1969. حيث اختارت المجموعة إرسال الرسالة بمناسبة الذكرى التي تصادف تسليم إسبانيا للمنطقة إلى المغرب في زمن الجنرال فرانكو.
وأشارت المجموعة إلى أن البيروقراطية الإسبانية قد حرمتهم من حقوقهم الطبيعية والمدنية، مما أثر على الروابط الأسرية بينهم، كما عبّرت عن تمييز تعرضت له من قبل السلطات المغربية التي تمنعهم من دراسة اللغة الإسبانية، رغم توفرها في أماكن أخرى بالمغرب.
هذه المطالب ليست عادية فلو كانت فرادى او مثنى وثلاث، اما وأن تكون جماعات، فهذا مدعاة للتساؤل؟!
فهل تعبر هذه المطالب عن مجرد ارتباط تاريخي أم المشهد برمته يوحي بمتلازمة ستوكهولم أو عندما يعشق الضحية جلاده؟!
قد يفسر البعض مطالبة سكان إقليم سيدي إفني بالجنسية الإسبانية بأنها مسألة ذات أبعاد متعددة تتداخل فيها الروابط التاريخية مع إسبانيا وتحديات الواقع المعاصر، وأنها تعبير يجسد عن علاقة معقدة يتزاوج فيها الارتباط التاريخي بالإحساس بالظلم.
الارتباط التاريخي والمطالب الحالية
سيدي إفني كان جزءاً من الحماية الإسبانية في المغرب بين عامي 1934 و1969، وخلال هذه الفترة قامت إسبانيا بإدارة الشؤون السياسية والعسكرية في الإقليم، مما أدى إلى تطور علاقات ثقافية واجتماعية عميقة بين السكان والإدارة الإسبانية، ما من شانه أن يخلف أثراً كبيراً على الهوية الثقافية للسكان، حيث تأثرت أساليب حياتهم، كما ظهرت اللغة الإسبانية كمكون أساسي في الحياة اليومية لكثير من مناطق النفوذ الإسباني، مدن الشمال بشكل أخص.
على إثر ذلك؛ تطالب مجموعة من سكان سيدي إفني، التي تعرف نفسها باسم “افني 25 خوليو”، بمنح الجنسية الإسبانية وإدراج اللغة الإسبانية في المناهج التعليمية. يأتي هذا الطلب في سياق تاريخي محدد، حيث تسعى المجموعة إلى تعزيز الروابط الثقافية والتاريخية مع إسبانيا، استنادا إلى مشاعر الارتباط وتأثير فترة الحماية الإسبانية.
متلازمة ستوكهولم وحين يعشق الضحية جلاده؟
لعل متلازمة ستوكهولم هي حالة نفسية يتم فيها تطوير علاقة إيجابية ومودة من قبل الضحية تجاه الجاني أو الخاطف الذي يسبب الأذى للصحية. وسميت كذلك نسبةً إلى حادثة وقعت في ستوكهولم، السويد، عام 1973، عندما تعرضت مجموعة من المواطنين للاختطاف خلال عملية سطو على بنك، وبدأ بعض المختطفين يظهرون مشاعر التعاطف والدعم تجاه الجناة.
ومن سمات متلازمة ستوكهولم؛ الولاء للجاني، حيث يشعر الضحايا بالولاء أو التعاطف تجاه الجاني رغم تعرضهم للأذى، وبالإضافة للولاء يتم تفسير سلوك الجاني، فقد يبرر الضحايا تصرفاته أو يرونها بشكل إيجابي، حتى وإن كانت تلك التصرفات ضارة. ومن سماتها أيضا الاعتماد العاطفي الكلي او الجزئي حيث يرى الضحية في الجاني صمام الأمان.
ومتلازمة ستوكهولم تحيلنا على إمكانية تفسير مطالب ساكنة سيدي إفني من زاوية أخرى، قد تعكس هذه المطالب نوعاً من الإحساس بالظلم أو التقدير المبالغ فيه للحقبة الاستعمارية وكأنه تحت نفوذها كانت هذه الأقاليم بالفردوس الأعلى. ومن زاوية اخرى تعكس المطالب ظلما اجتماعيا أو تقصيرا من اولي الأمر بسبب غياب للعدالة المجالية.
أي نعم؛ بعد الاستقلال، واجه إقليم سيدي إفني تحديات تتعلق بتطوير البنية التحتية، مما قد يثير شعوراً بأن التأثير الإسباني كان مفضلاً مقارنةً بالظروف الحالية. من هنا، يمكن النظر إلى المطالب كنوع من التوق والاشتياق المبالغ فيه إلى نظام قديم يعتقد البعض أنه كان أكثر فائدة وأن مد الجسور بين سيدي إفني والملك فيليبي طوق نجاة او دعوة للاتفاتة قد تجر استثمارات إسبانية بالمنطقة، او هو أسلوب إياك أعني واسمعي ياجارة، إياك أعني با بلدي واسمعي يا إسبانيا الجارة.
من المؤكد أن التأثير الثقافي للإسبان في سيدي إفني لا يزال قوياً، ويعكس رغبة السكان في الحفاظ على جوانب من هذا التأثير الثقافي، من جهة، ومن جهة أخر, يعكس الطلب في طياته التحديات التي يواجهها سكان الإقليم في سياق واقعهم الحالي، حيث يعتقدون أن إدراج اللغة الإسبانية يمكن أن يحسن من فرصهم التعليمية والاقتصادية وبالتالي الالتحاق بالركب الإسباني والاندماج السوسيو ثقافي حال الهجرة.
هذا وقد تكون المطالبة بالجنسية تعبر وبالملموس عن تقدير مبالغ فيه وولاء لملك بلد ولى وولى زمانه على حساب ولاء من المفروض ان يكون للبلاد وملك البلاد، وبالوقت نفسه يعكس إحساساً لدى الساكنة بالظلم والإقصاء والتهميش الذي تعانيه المنطقة، وحري بهم رفع استعطاف لملك البلاد وليس العكس.
وخلاصة القول؛ من المهم مراعاة الأبعاد الثقافية والتاريخية في التعامل مع مطالب السكان، وذلك لضمان معالجة القضايا بشكل يراعي تاريخهم ويحقق تطلعاتهم.
وعلى الجهات المسؤولة المغربية، أقصد، ان تأخذ هذا الطلب على محمل الجد وتعمل جاهدة على تحسين وتجويد القطاعات الحساسة كالتعليم والصحة، وتحسين البنية التحتية في الإقليم حتى تتم المساهمة في تقليل الحاجة لمطالب ترتبط بالحقبة الاستعمارية وتبحث عن حلول من خارج دوائر القرار السياسي المغربي.
هذا مع تشجيع الحوار بين ساكنة إقليم سيدي إفني والسلطات المغربية والمسؤولين ومن هم في مراكز القرار، ولا بأس أن يكون بين ساكنة إقليم سيدي إفني والسلطات الإسبانية في حدود ما هو تاريخي وثقافي وحضاري وليس ما هو سياسي أو سيادي أو قد يحمل تطاولا على المؤسسات القائمة أو يتجاوز النظام القائم.
وختاما، تُبرز مطالبة سكان سيدي إفني بالجنسية الإسبانية مسألة معقدة تتداخل فيها مشاعر الارتباط التاريخي مع إسبانيا وتحديات الوضع الحالي، ولمعالجة هذه المطالب وتفسير الوضع؛ يتطلب الأمر فهماً عميقاً للتاريخ والواقع المعاصر، لضمان تحقيق توازن بين احترام التراث الثقافي ومعالجة القضايا الحالية.