ماذا تعرف عن “جيمي كارتر” مهندس اتفاقية “كامب ديفيد” الذي توفي عن عمر ناهز ال100 عام!
هيئة تحرير دنا بريس
أعلنت وسائل إعلامية أمريكية عن وفاة الرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر عن عمر ناهز ال 100 عام.
وُلد جيمي كارتر في 1 أكتوبر 1924 في بلينز، جورجيا. حصل على شهادة في العلوم البحرية من الأكاديمية البحرية الأمريكية في عام 1946. بدأ مسيرته السياسية في عام 1963 كعضو في مجلس الشيوخ في جورجيا. تولى رئاسة الولايات المتحدة في عام 1977 حتى عام 1981.
لعب دورًا رئيسيًا في تشكيل منطقة الشرق الأوسط حتى اليوم بداية من مفاوضات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في عام 1978. ودوره في تحرير الرهائن الأمريكيين في إيران، بعد قيام الثورة، مقابل بيع إيران أسلحة متطورة “صواريخ تاو” إبان الحرب بين العراق وإيران.
كما كان له دور بارز في عدة ملفات مثل دعم سياسات طاقة جديدة لتحسين كفاءة الطاقة في الولايات المتحدة. وإقرار قانون الحفاظ على الأراضي في عام 1980.
واشتهر كداعم لحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم. وهذا بالنظر لكونه من الحزب الديموقراطي وقد عمل في مجال الخدمة المدنية العالمي لمدة تناهز 40 عاما تحت مظلة مؤسسة كارتر وغيرها من المؤسسات وقد حصل على جائزة نوبل للسلام في عام 2002. وعملت منظمة كارتر
على دعم التعليم والصحة العامة.
جدير بالذكر أن كارتر أطول رؤساء الولايات المتحدة حياة في التاريخ وكان قد خضع لعملية جراحية في الدماغ عام 2019 وتوفى في دار رعاية مسنين بعد خروجه من العناية المركزة أكثر من مرة سابقاً.
هذا بشكل مختصر عن حياته ومساره السياسي والحقوقي وماذا عن أكبر اتفاقية تاريخية حققها في عهد ولايته، والتي لازالت تداعياتها إلى اليوم “اتفاقية كامب ديفيد”؟!
اتفاقية كامب ديفيد، التي وُقعت في 17 سبتمبر 1978، تمثل أبرز إنجازات الرئيس الأمريكي جيمي كارتر الذي لعب دورًا محوريًا كمهندس لهذه الاتفاقية، في سياق إقليمي ودولي مشحون بالصراعات. حيث نجح هذا الأخير في جمع الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن على طاولة الحوار في منتجع كامب ديفيد بولاية ماريلاند، حيث استمرت المفاوضات 13 يومًا وسط توترات كبيرة ومساومات معقدة.
نصت الاتفاقية على اعتراف مصر بإسرائيل كدولة، في أول اعتراف عربي رسمي بإسرائيل، مقابل انسحاب إسرائيل من شبه جزيرة سيناء التي كانت قد احتلتها خلال حرب يونيو 1967، كما وعدت الاتفاقية بتمكين الفلسطينيين من حكم ذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة، دون تقديم خارطة طريق واضحة لتأسيس دولة فلسطينية مستقلة، إضافة إلى تأسيس علاقات اقتصادية ودبلوماسية بين البلدين، مع ضمانات أمريكية بتمويل كبير لكل من مصر وإسرائيل لتعزيز التحالفات السياسية والعسكرية.
مثلت الاتفاقية لدى الجانب المصري، مكسبًا سياسيًا محدودًا باستعادة سيناء، لكنها جاءت بتكلفة باهظة على المستويين العربي والإقليمي. فقد أدت إلى تعرض السادات لانتقادات واسعة جدا وعزل مصر عربيًا وتعليق عضويتها في جامعة الدول العربية ونقل مقرها إلى تونس آنذاك، مما أضعف دورها القيادي في المنطقة. وكذا إبعاده عن الإجماع العربي لتجاهله للقضايا الجوهرية “القضية الفلسطينية” كواحدة من هذه القضايا وأبرزها لصالح مكاسب وطنية قصيرة المدى، هذا في وقت كان الإجماع العربي يطالب باستعادة جميع الأراضي المحتلة في حرب 1967 كشرط للتطبيع مع إسرائيل.
هذا وفي الوقت الذي قدمت فيه الاتفاقية مكاسب لمصر باستعادة سيناء، قوبلت برفض شعبي عربي واسع واعتبرت خروجًا عن الإجماع العربي، مما أدى إلى تعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية ونقل مقرها إلى تونس. كما وُجهت اتهامات للرئيس المصري أنور السادات بالتفريط في القضية الفلسطينية مقابل مكاسب وطنية.
فيما كان الجانب الفلسطيني، المتضرر الأكبر من هذه الاتفاقية. ورغم إدراج بند الحكم الذاتي في نصوص اتفاقية كامب ديفيد، بقي هذا البند غامضًا وغير مُلزم، مما سمح لإسرائيل بتوسيع سيطرتها على الضفة الغربية واستمرار بناء المستوطنات، وهو ما زاد من تعقيد الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وأبعد آمال تحقيق دولة فلسطينية مستقلة. الاتفاقية كذلك؛ لم تُشر إلى حق العودة للاجئين أو إزالة الاحتلال، بل ساهمت في إضعاف الموقف الفلسطيني دوليًا وإقليميًا.
في المقابل، كانت إسرائيل والولايات المتحدة المستفيدين الأكبر من الاتفاقية. إسرائيل حصلت على اعتراف رسمي من أكبر دولة عربية، ما عزز شرعيتها الدولية، وفي الوقت نفسه حافظت على سيطرتها على الأراضي الفلسطينية دون التزام جاد بحل الصراع. الولايات المتحدة التي لعبت دور الوسيط، كانت منحازة جدا وبشكل لا مراء فيه للمصالح الإسرائيلية، وضمنت الاتفاقية استمرار الدعم الاقتصادي والعسكري لإسرائيل، مما عزز النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط وجعل مصر وإسرائيل شريكين استراتيجيين في سياسات واشنطن الإقليمية.
بالنظر إلى كامب ديفيد بعين ناقدة، تبدو الاتفاقية نجاحًا دبلوماسيًا لجيمي كارتر على المستوى الشخصي، لكنها أخفقت في تحقيق سلام شامل وعادل. فقد عمقت الانقسامات العربية وهمشت القضية الفلسطينية، وكرّست الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية على حساب المصالح العربية، مما جعلها خطوة ناقصة في مسار السلام الحقيقي.. وما يقع اليوم في غزة والضفة الغربية وحروب الإبادة والتهجير والاغتيالات والتصفيات والتدخل في لبنان وسوريا إلا تجلي حقيقي لتداعيات اتفاقية كامب ديفيد غلى المنطقة.
وبالنظر إلى الاتفاقية في مجملها، فقد كانت خطوة غير مسبوقة على طريق السلام العربي-الإسرائيلي، لكنها جاءت بثمن سياسي كبير. ومن وجهة نظر عربية، يُنظر إليها كصفقة كرّست التفوق الإسرائيلي وشرّعت الهيمنة الأمريكية في المنطقة، بينما همّشت القضية الفلسطينية التي ظلت دون حل جذري.