“أنا لستُ عاملة نظافة عندكِ”.. هكذا ردت وزيرة الثقافة الفرنسية من أصول مغربية على نائبة برلمانية
هيئة تحرير دنا بريس
في مشهد لا يخلو من الدلالات السياسية العميقة، شهد مجلس الشيوخ الفرنسي، الأربعاء الماضي، لحظة استثنائية حين قاطعت السيناتورة الاشتراكية ماري‑بيير دو لا غونتري مداخلة وزيرة الثقافة الفرنسية من أصول مغربية، رشيدة داتي، فردّت الأخيرة بانفعال: “احترميني… أنا لستُ عاملة نظافة عندكِ! انتهت تلك الحقبة التي كان فيها والدي يعمل لدى والدكِ.”
كلمات صادمة التقطتها كاميرات المجلس، وسرعان ما تحوّلت إلى مادة مشتعلة على المنصات الرقمية، وأيقظت نقاشًا صاخبًا حول التمثيل السياسي، والتفاوت الاجتماعي، وازدواجية معايير الاندماج في فرنسا.
لكن ما بدا للبعض مجرّد رد غاضب، بدا لآخرين صرخة سياسية كثيفة الرموز؛ صرخة امرأة من الجيل الثاني للمهاجرين المغاربة بالديار الفرنسية، من الهامش إلى قلب الإيليزيه، تسلمت داتي مقاليد السلطة لكنها لا تزال تُعامل كمواطنة من الدرجة الثانية!
رشيدة داتي، التي وُلدت في حي شعبي لأب مغربي عامل، لم تخف يومًا انحدارها من خلفية متواضعة. وعلى الرغم من تقلدها مناصب سيادية، بدءًا بوزارة العدل في عهد نيكولا ساركوزي، وصولًا إلى وزارة الثقافة في حكومة غابرييل أتال، لم تُفلح تلك المناصب، على ما يبدو، في محو الطبقية التي تفصل بين “أبناء الجمهورية” و”ورثتها”.
ردّ داتي لم يكن دفاعًا عن الذات بقدر ما كان تفكيكًا – بلحظة واحدة – لبنية استعلائية ممتدة في الزمن، تستبطن تراتبية اجتماعية وعرقية رغم شعارات المساواة والاندماج. هي لم تكن تتحدث فقط باسمها، بل نيابة عن آلاف الفرنسيين المنحدرين من أحياء الضواحي، الذين يَشعرون أن شرعيتهم السياسية لا تُمنح لهم إلا مشروطة بالصمت والانضباط.
الانتقادات التي وُجّهت إليها تمحورت حول “حدة التعبير” و”مخالفة البروتوكول”، غير أن أنصارها رأوا في ذلك موقفًا سياسيًا صريحًا ضد عنصرية مموّهة، وضد نمطية راسخة تختزل نساء المهاجرين في مهن بعينها، وكأن قدرهن الاجتماعي لا يتغير مهما بلغن من مناصب.
“أنا لستُ عاملة نظافة عندكِ”، العبارة التي أثارت حفيظة البعض، لكنها حملت في طيّاتها إحالة مباشرة إلى التاريخ المهني المُسقَط على المهاجرات، وخاصة من شمال إفريقيا، داخل المخيال الفرنسي العام، وهي دلالة لم تكن لغوية فحسب، بل سياسية بامتياز.
هذا وقد تباينت المواقف بين الفرقاء، فاليمين المحافظ، الذي طالما استخدم داتي كرمز على “نجاح سياسة الإدماج”، انقسم بين من دافع عن “ردّ فعل بشري” في سياق استفزازي، ومن رأى في كلامها انزلاقًا غير مقبول من عضو في الحكومة.
في المقابل، بدا موقف اليسار التقدمي أكثر تذبذبًا؛ فبينما أبدى بعض نوابه تفهمًا للسياق الطبقي الذي فجّر رد داتي، لم تتردد نائبات اشتراكيات في وصف تصريحاتها بأنها “غير لائقة”، واتهمنها بـ”تحوير النقاش المؤسساتي” المتعلق بإصلاح الإعلام العمومي نحو قضية شخصية.
لكن! وخارج الحسابات الحزبية، برزت موجة دعم قوية من أبناء الجيلين الثاني والثالث من أصول مهاجرة، رأت في رد داتي تمردًا نادرًا على أعراف جمهورية تفرض الأدب السياسي على المهمّشين، وتُبيح التجاوز للنخب.
الحدث، وإن بدا عابرًا في تفاصيله، أعاد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا متجدّدًا: هل يكفي أن تصل إلى السلطة لتُعامل كمواطِن كامل الأهلية؟
أم أن الماضي الاجتماعي والعرقي سيظل يُستدعى، كلما حاول أحد أبناء الهامش أن يرفض الخضوع والخنوع؟!
ما قالته رشيدة داتي لا يختزل في عبارة عابرة، بل يلخّص صراعًا أكبر حول المواطنة المشروطة.