الرائدة في صحافة الموبايل

الملك محمد الخامس.. قمر في المنفى وشمس عند الاستقلال!

تكتب الأمم العريقة أمجادها في سجلات التاريخ بالكدّ والجهد والعرق والدماء. ولكل أمة من تلك الأمم رموزٌ وقيمٌ ولحظاتٌ مضيئة تحاكي سرّ العظمة، وتبقى حيّة خالدة في الذاكرة. وتُصنع هذه الأمجاد على يد قادة أو آباء مؤسسين خرقوا قواعد الزمان والمكان، وغيّروا الواقع، وصنعوا المعجزات.

وفي المغرب، كواحد من تلك الأمم ذات الحضور العميق في التاريخ، تتجلّى الرموز الوطنية والقيادات التاريخية في سلسلة ممتدة منذ قرون، وفي إحدى اللحظات المجيدة من تاريخه بزغ قمر السلطان محمد الخامس، طيب الله ثراه. وكما هي عادة القمر، يغيب ليعود بدرًا في السماء؛ وفي ليل المغرب الطويل، كان السلطان في المنفى، لكنه عاد بازغًا، شامخًا، فعادت الروح إلى جسد الأمة بأسرها.

يُعد السلطان محمد الخامس، طيّب الله ثراه، مدرسة في الوطنية والعطاء، يتعلم منها الأجيال معاني العزة والكرامة والحرية. ولا عجب، فهو من نسل الشجرة النبوية المطهّرة. وأول الدروس التي تُستلهم من تضحياته هو التمسك بوحدة الوطن. فقد نُفي من طرف الاحتلال الفرنسي سنة 1953، بعد أن رفض توقيع قرارات تمسّ السيادة الوطنية، وتكرّس الهيمنة الاستعمارية، وتهدّد وحدة البلاد. فخطّط المستعمر الفرنسي لاستبدال هذه القامة التاريخية بقائدٍ مطواع. لكن ما لم تُدركه فرنسا أن جلالة المغفور له محمد الخامس، بخروجه من القصر، دخل تاريخًا آخر، أكثر رسوخًا: هو تاريخ الوجدان.

وقد مرّ السلطان في منفاه بعدة محطات؛ كانت البداية في جزيرة كورسيكا، ثم مدغشقر، حيث قضى ثلاث سنوات خارج أرضه. لكن هذا الغياب لم يضعف حضوره، بل عزّز مكانته في قلوب المغاربة، وخلّف حالة وجدانية غير مسبوقة في التاريخ المعاصر للبلاد.

وتحكي الذاكرة الشعبية أن المغاربة في إحدى ليالي سنة 1954، وأمام شحّ أخبار المنفى، رأوا ملامح السلطان تظهر لهم في القمر. وانتشرت هذه الرؤيا في المدن والقرى، فخرجت النساء إلى الأسطح، وهرع الفلاحون من الحقول، وارتفع النداء العفوي: “سيدنا فالقمر.. سيدنا فالقمر”. تعددت الروايات: منهم من رآه ممتطيًا جوادًا، ومنهم من رآه ملوّحًا بيده، أو مرتديًا جلبابه الأبيض. لقد رفع الشعب بصره إلى السماء شوقًا ودعاء، منتظرًا عودة من كان له رمزًا وعنوانًا للكرامة.

وقد أولى المؤرخون وعلماء الاجتماع أهمية بالغة لهذه الحادثة، فاعتبر عالم الاجتماع الفرنسي بول باسكون أنها تتجاوز الخيال الشعبي، وتمثّل رابطة رمزية وثيقة بين الملك والأمة. ووصفها في ملاحظاته الإثنوغرافية بأنها “تعويض رمزي عن الغياب السياسي”.

وأما عالم الاجتماع المغربي عبد الكبير الخطيبي، فاعتبر في كتابه “الاسم العربي الجريح” أنها لحظة “تمجيد صوفي لشخصية زعامة وطنية صارت، رمزيًا، فوق الأرض وفوق السياسة”. حتى بعض التقارير الفرنسية حينها، كما أورد الصحفي جان لاكوتر، عبّرت عن قلق الإدارة الاستعمارية من أن “يُصبح محمد بن يوسف شهيدًا حيًا وملهمًا غائبًا”.

لقد راهن المستعمر على النسيان، وترسيخ الأمر الواقع، غير أن ذاكرة الشعب كانت الفرس الرابح في هذا الرهان. فتشكّلت المقاومة المسلحة في الجبال، واستعادت المدن لهجتها الوطنية، وانخرطت الحركة الوطنية في نضال دبلوماسي وميداني واسع، مجددة العهد مع سلطان القلوب في منفاه.

وفي 16 نونبر 1955، عاد القمر لسماء المغاربة، وهبطت طائرة السلطان في مطار سلا، حيث خرجت الجماهير الغفيرة لاستقباله. وخاطب الأمة بكلمته التاريخية: “رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”.

لقد ألهم موقف محمد الخامس ضد الاحتلال الفرنسي الشعوب العربية، وأثار حميتها. فقد أشار فتحي الديب، ضابط المخابرات المصرية ومسؤول الدائرة العربية، في مذكراته، إلى أن القيادة المصرية، ممثلة في الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة، سخّرت كل الإمكانيات لدعم المغرب ومؤازرة محمد الخامس بعد رفضه توقيع “الظهائر”. وانطلق صوت إذاعة صوت العرب، بعد تنسيق مباشر مع السيد علال الفاسي، عضو مكتب تحرير المغرب العربي، معلنًا رفض الملك الإذعان لمطالب فرنسا، وداعمًا للثورة الشعبية.

وقد روى الإذاعي أحمد سعيد، رئيس إذاعة صوت العرب، أن السيد علال الفاسي خاطب الشعب المغربي عبر الأثير داعيًا إياه للثورة ضد المستعمر، ليصبح صوت العرب صوتًا موحّدًا للأمة العربية.

وتُوج هذا التلاحم بزيارة جلالته إلى مصر سنة 1960 لحضور افتتاح مشروع السد العالي بأسوان، وهو من أكبر المشاريع القومية المصرية آنذاك، في دلالة رمزية على التضامن العربي.

ولم تقتصر جهود محمد الخامس على محيطه العربي، بل امتدت إلى إفريقيا، حيث دعا إلى مؤتمر القادة الأفارقة الذي عُقد في مدينة الدار البيضاء من 4 إلى 7 يناير 1961. شارك فيه زعماء بارزون أمثال موديبو كيتا (مالي)، وأحمد سيكو توري (غينيا)، وجمال عبد الناصر (مصر)، وكوامي نكروما (غانا)، وهايلي سيلاسي (إثيوبيا)، وفرحات عباس (الجزائر)، وعبد القادر العلام ممثل ليبيا. ويُعد هذا المؤتمر محطة تأسيسية لوحدة إفريقيا المستقلة، ويُسجَّل لجلالته دوره البارز فيها.

وبعد عودته بأشهر قليلة، وضع نصب عينيه تحقيق الهدف الأسمى: استقلال المغرب. فأعلن في 2 مارس 1956 الاستقلال الرسمي، وبدأت مرحلة التأسيس: تشكيل أولى الوزارات، استعادة العملة الوطنية، إلغاء المحاكم الاستعمارية، وبناء الجيش والإدارة.

وفي عام 1961، انتقل إلى جوار ربه، بعد مسيرة حافلة نذر فيها عمره لخدمة شعبه ووطنه وأمته. إلا أن رمزيته بقيت، واستمرت ذكراه في ضمير الأمة بوصفه “أب الوطن”، ورمزًا للاستقلال الذي لم يُساوم، ولم يُهزم، حتى في المنفى.

وبقيت صورته القمرية، محفورة في ذاكرة المغاربة، رمزًا لوفاء شعبٍ لعرشه، وملكه، ووطنه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد