الرائدة في صحافة الموبايل

لماذا أكتب ؟!

كثيرا ما شغل بالي سؤال بسيط في تركيبته مركب في بنيته و متشعبة دلالاته؛ ” لماذا أكتب ؟!”… سؤال بات مؤرقا بل حائلا بيني وبين الكتابة، يسبق حروفي المبعثرة منها و المرتبة، يتسلل فيتربع على ورقتي البيضاء و يكتسح أكبر مساحة و يطرح نفسه للسؤال و يطلب التحليل والمناقشة، فالجواب عنه أو محاولة الجواب؛ لا محالة باعث لما أكتب ومبرر شرعي ل

لماذا أكتب !؟

سؤال محير فعلا والجواب عنه محير أكثر والخوض فيه مجازفة وركوب مركب بلا مرفأ. فأحاول تجاوزه عمدا حتى لا تصدأ الجعبة وينضب المداد. فثمة أجوبة تتراءى لي دون أن تظهر، و كأنها رؤى ليل تحتاج لمن يفسر الأحلام ويحيل الرائي لتأويل رؤياه.. لعلي أكتب للتنفيس؛ فكثر هم يكتبون لأن الكتابة ملاذهم الأول والأخير والملجأ الذي يقصدونه للهروب من واقع مليء بالمتناقضات لعالم المثل والممكنات… فالكتابة رئتي الثانية التي أطرح من خلالها ثاني “اوكسيد الكاربون” الذي يفسد الحياة، بل إنه “الادرينالين” الذي يساعدني على البقاء والاستمرار والتعايش مع كل هذه المتناقضات.

فقد أكتب لألبي رغبة جامحة لازمتني منذ الصبا، فما إن تمكنت من لغة الضاد حتى صارت حروف الهجاء من ألف إلى ياء تتراقص بدواخلي فتثير الصخب، تشاكسني وتعاكسني وتلاعبني على بياض الورق، تبعثر هدوئي، توقظني، تجبرني على عصيان العالم ومن حولي طاعة لإلهة الحرف وربة الإلهام، تجبرني على أن أتبرم من كل شيء من أجل هذا الشيء. وحينها أكتب؛ و برغم المرارة والأرق قد أسعد وسرعان ما تتحول الرغبة في إسعاد الذات الكاتبة لإسعاد ذوات أخرى، وهنا يصير الكاتب كالارجوز الحاوي الذي يلعب على الحبلين محاولا أن يكتب النص مرتين؛ مرة ليخلص لذاته ومرات ليخلص لذات المتلقي. وهنا تجد الذات الكاتبة نفسها بالمحك، فهل تنتصر لذاتها أم للآخر ؟! ولو أني أرى أنه ما من إخلاص للآخر إلا عبر الإخلاص للذات، لأن الكتابة بالأصل سفر جواني وبقدر الشفافية في نقل تفاصيل هذا السفر بقدر نجاح العمل ووصوله لقلوب المتتبعين. ومادامت الكتابة انتصارا للأنا والذات؛ فإنها قد تزيغ إذا ما استحوذ على صاحبها غرور الإحساس بصفة الكاتب، فتصير الكتابة لصيقة بصاحبها في نظر من يكتب وفي نظر الآخرين، فتصطاده شباك الشهرة قل حجمها أو صغر؛ إما أن تخلص للذات الكاتبة فلا تكتب إلا إن حضر الإلهام وربة الإلهام والإبداع، أو تغيب عن عوالم الكتابة كلما غاب الإلهام وضاع طريق المعبد والتعبد. أو تفتعل الكتابة فترضي غرورها و توجهه لللمتلقي وكأنك تقول ها أنا ذا أكتب، فتأخذ القلم جبرا و المداد هدرا وتفتعل نصوصا قد تبدو جيدة متسقة من حيث الظاهر وغير متجانسة حد الهجانة؛ فيغيب عنها الحس ويضيع سؤال الكتابة :” لماذا نكتب ؟!”

هذا عن كتابة الحدوس و ماذا عن ما أكتبه بمجال الإعلام ولما الإعلام الثقافي؟!

لما ركوب الصعب؟ فهل الحقل الثقافي ملاذي وفيه أروي عطشي وفيه أجد ضالتي… هل لأني أعيش من خلاله دور المثقف المتتبع حينا والمتفاعل حينا آخر، هل أخفي فيه عورتي إذ لا أستطيع أن أعيش دور المثقف العضوي حسب الفيلسوف “غرامشي” ولا أقبل بدور المثقف التقليدي، أم هو محاولة لكشف عورات الثقافة ببلدي؟! أنى لي ذلك… وجدتني في كثير منها لا ألعب إلا دور المزينة فأزين من خلال مقالاتي كل لقاءاتي. لماذا علينا أن نضع الزينة ونرفع كل آلاء الجمال والجلال. لماذا لا نقرأ الأحداث بصورة معكوسة؟! لماذا نضع الطلاء وكاتم العيوب وكثيرا من المراهم؟! لماذا أقلامنا مغلولة إلى أعناقنا تجعلنا نمارس إعلاما بدون رسالة؟!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد